نجم الدين الكبرى
101
فوائح الجمال وفواتح الجلال
استسلام القلوب والروح لأحكام الأزلىّ وقضائه وقدره . فمن كان موقوفا عند الإسلام الجسدانى ، ولم يبلغ مرتبة الإسلام الروحاني ، فهو بعد في سير ليلة الدين متردّد ومتميّز ، فيرى ملوكا وأملاكا كثيرة ، كما كان حال الخليل عليه السلام فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ومن تنفّس صبح سعادته ، وطلعت شمس الإسلام الروحاني من وراء جبل نفسه من مشرق القلب ، فهو على نور من ربه ، فيضحى في كشف يَوْمِ الدِّينِ * فيكون ورد وقته « أصبحنا وأصبح الملك للّه » فيشاهد بعين اليقين ، بل يكاشف - حقّ اليقين - أن الملك للّه ، ولا مالك إلا مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . فإذا تجلّى له النهار ، وكشف بالمالك جهارا ؛ يخاطبه وجاها ، ويناجيه شفاها إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . ومن لطائف مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أن مخالفة الملك توئل إلى خراب العالم وفناء الخلق ، فكيف مخالفة مالك الملوك ؛ كما قال اللّه تعالى في سورة مريم تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ والطاعة سبب المصالح ، كما قال تعالى نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى فعلى الرعية مطاوعة الملوك ، وعلى الملوك مطاوعة ملك الملوك لتنتظم مصالح العالم . ومن لطائفه أيضا ، أن « مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ » يبيّن أن كمال ملكه يعد له ، حيث قال وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً فالملك المجازى إن كان عادلا حقّا ، درّت الضروع ونمت الزروع ؛ وإن كان جائرا ، كان باطلا فارتفع الخير . . يحكى أن « أنوشروان » انقطع في الصيد من القوم ، فانتهى إلى بستان ، فقال لصبىّ فيه « أعطني رمّانة » فأعطاه ، فاستخرج من حبّها ماء كثيرا سكّن به عطشه ، فأعجبه ، وأضمر أخذ البستان من مالكه ! فسأله أخرى ، فكانت عفصة قليلة الماء ، فسأل الصبى عنه . فقال : لعل الملك عزم على الظلم ! فتاب بقلبه ، وسأله أخرى ، فوجدها أطيب من الأولى . . فقال الصبىّ لعل الملك تاب ! فتنبّه أنوشروان ، وتاب بالكلية عن الظلم ، فبقى اسمه مخلدا بالعدل ، حتى روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه تفاخر فقال : ولدت في زمن الملك العادل « 1 » .
--> ( 1 ) روح البيان 1 / 15 .